الشركات الناشئة

من أين نبدأ

كثيرا ما تواجهنا في حياتنا اليومية مشاكل معينة، أو لنقل من باب الإيجابية: تحديات، ونحتار بداية في كيفية حلها وعندما نبدأ في عملية الحل فغالبًا ما يكون الحل طويلا -وغير منطقي احياناً كثيرة- والسبب في ذلك هو أننا نميل إلى التركيز على معالجة النتائج بدلاً من الأسباب. ويكون عذرنا دائما: ” كان لابد علينا ان نفعل ذلك فالمشكلة تلك سببت لنا العديد من المشاكل التي قمنا أخيرا بحلها.”

عند بداية الثورة الفضائية واجهت NASA مشكلة كبيرة تمثلت في أن أقلام الحبر المستخدمة لم تكن تعمل في الفضاء الخارجي بسبب الضغط وبسبب انعدام الجاذبية لذا قامت بتكليف Andersen Consulting (تدعى حاليا Accenture today) بإيجاد حل لهذه المشكلة المعقدة.

شرعت الشركة في هذا المشروع الهام، الذي كلف حوالي 12 مليون دولار، وكانت النتيجة اختراع قلم حبر خاص يعمل تحت اقصى الظروف: انعدام الجاذبية، تحت الماء، يعمل عند درجة التجمد ويعمل حتى عند 300 درجة مئوية، ويستطيع الكتابة على أي سطح كان وكان هذا الإنجاز غير مسبوق وافردت لهذا الانجاز برامج إعلامية خاصة للتعريف به ولتوضيح امكانياته الكبيرة.

في المقابل، عالج الروس التحدي نفسه بالاعتماد على اقلام الرصاص، والتي لم تتطلب أي نفقات إضافية ولا دراسات خاصة حول كيفية تكييفها في الفضاء.

انتشرت هذه القصة بشكل كبير في وقت ما ولست بصدد مناقشة ما إذا كانت حقيقية أم لا ولكنني انقلها اليوم فقط لأن الدرس المستفاد منها كبير وملهم. نميل كبشر إلى تعقيد الأمور ودائمًا ما نسلك الطريق الطويل في مواجهة التحديات لسبب رئيسي واحد وهو اننا نبدأ دائمًا بالتفكير في كيفية حل النتائج التي ربما تكون كثيرة وصعبة الحل ولا نفكر ابداً في البدء بحل أساس المشكلة الذي ربما يكون عاديا ولا يكلف حله الا الشيء البسيط من الوقت او المال كما رأينا في قصة ناسا.

قد يجادلنا البعض بأن اختراع ناسا كان مبتكرًا واستغل الظروف السابقة لصناعة هذا القلم الرائع، الذي سعى الكثيرون للحصول عليه ولكن لنكن منطقيين: من يحتاج إلى قلم يعمل في تلك الظروف التي لن نعايشها ابدا؟ فمن منا يتحمل البقاء في ذلك الحر الشديد أو ذلك البرد القارس أو حتى ذلك الضغط المميت؟ أو من منا سيأتيه الهام الكتابة وهو موجود تحت سطح الماء؟ واين سنجد مكاناً به حالة انعدام الجاذبية لنستخدم هذا القلم العجيب فيها؟ ربما كانت الميزة الوحيدة التي ربما يحتاجها البعض هي الكتابة على مختلف السطوح ولكن كان بالإمكان أيضا الوصول لهذا الخيار او الاختراع بطرق أسهل وأقل تكلفة.

وربما يقول البعض الآخر أن تلك الاقلام تم اختراعها ليتم استخدامها في الرحلات الفضائية وأنهم يفضلون الكتابة بقلم الحبر الذي تعودوا عليه ولا يحتاجون لتقليمه كلما كتبوا بعض السطور فنرد عليه وكم رحلة فضائية يتم تسييرها سنويا؟ وماذا سيكتب الرواد وهم في الفضاء أساساً؟ ولماذا لا يستخدموا أقلام الرصاص الحديثة التي لا تحتاج إلى تقليم. انا شخصياُ لو كنت مخترعاً لقمت باختراع المسجل الصوتي ليقوم رائد الفضاء بتسجيل ما يود ان يحفظه كما هو ليكتبه بأسلوب أفضل عندما يعود من رحلته الفضائية التي ربما لن تتكرر قريبا بالنسبة له واوفر بذلك بعض الملايين لمشاريع أكثر اهمية.

وفي مسار آخر، قد يؤدي الفشل إلى النجاح أحيانًا وكل ما يحتاجه الأمر هو شخصًا من ينظر إليه من منظور مختلف. أذكر هنا مثالًا كلاسيكيًا يتمثل في اختراع قصاصات بوست-إت اللاصقة (Post-It Notes) من قبل شركة 3M. بدأ الأمر عندما كان سبنسر سيلفر وهو أحد العلماء في 3M يحاول صنع لاصق قوي جديد وبدلاً من ذلك فإن كل ما حصل عليه كان لاصقًا ضعيفًا جدًا. كان ذلك فشلاً تامًا بالنسبة له ولكل من حوله باستثناء آرت فراي الذي كان عالمًا آخر فكر في استخدام مختلف له. استخدم هذا اللاصق لصنع قصاصات لاصقة صغيرة لن تسقط من كتابه. هكذا تم ابتكار Post-It Notes وظهر لنا هذا الامر كيف أن فكرة بسيطة – أو خطأ – يمكن أن تتحول إلى شيء مفيد حقًا.

الاختراعات ليست دائمًا معقدة. في الواقع، هناك العديد من الأفكار التي كانت بسيطة جدًا ومع ذلك اعتبرت اختراعات عظيمة. أفضل مثال يحضرني هنا هو مشبك الورق. قام بصنعه يوهان فالر منذ زمن طويل وكل ما فعله كان ثني قطعة من السلك بطريقة خاصة بحيث يمكنها أن تحتفظ بالأوراق معًا. هذا الشيء الصغير، مشبك الورق، أصبح الآن شيئًا نستخدمه طوال الوقت في المدرسة أو العمل للحفاظ على ترتيب أوراقنا وهو مثال رائع لكيف لفكرة بسيطة جدًا أن تحدث فرقًا كبيرًا في حياتنا اليومية.

لنتذكر جميعا كلما واجهنا التحديات أن الأفكار التي تعمل بشكل أفضل هي تلك الأفكار البسيطة، ولنا في قصص “قلم ناسا وقلم الرصاص الروسي”، و”قصاصات بوست-إت اللاصقة”، و”مشبك الورق” خير مثال على قوة التفكير بشكل مختلف وأهمية البحث عن حلول بسيطة. لذا، في المرة القادمة التي نواجه فيها موقفًا صعبًا، دعونا نستهدف الطرق الأسهل لحله ومحاولة الوصول مباشرة إلى جوهر المشكلة والحفاظ على بساطة حلولنا الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى حلول ذكية وعملية.

فراس ابو السعود

أخصائي نظم هندسة البترول بخبرة تزيد عن 21 عامًا في هذا المجال. وهو حاصل على درجة بكالوريوس في الهندسة الكيميائية وشهادة الماجستير في هندسة وإدارة التشييد من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن. إلى جانب خبرته التقنية، فهو مهتم بالتصوير الفوتوغرافي والتصميم الجرافيكي والذكاء الاصطناعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى