إشراك الموظفين في صنع القرار: رافعة استراتيجية لتعزيز الثقافة والاستدامة الوظيفية

أشرف العيد
أشرف العيد
أشرف العيد

كتبه أشرف العيد

إشراك الموظفين في صنع القرار (Employee Participation/Voice) لم يعد “ممارسة لطيفة” بل هو رافعة استراتيجية تُحسّن جودة القرارات، وتُعمّق الثقة، وتُسرّع التعلّم التنظيمي، وتدعم “الاستدامة البشرية” عبر تقليل نوايا ترك العمل ورفع الرضا والانتماء. ويزداد أثره عندما يُبنى على صوت موظف فعّال (قنوات + حوكمة + استجابة واضحة)، وليس مجرد استطلاعات تُجمع ثم تُنسى.

المحور الأول: لماذا يؤثر إشراك الموظفين في القرار على الثقافة والانتماء والاستدامة الوظيفية؟

يحوّل “العلاقة” من تنفيذ إلى شراكة

عندما يشعر الموظف أن رأيه يُؤخذ بجدية وأنه يستطيع التأثير فيما يخص عمله، تتشكل عناصر ثقافية أساسية: الثقة، العدالة، الاحترام، وهذا يؤكد أن مشاركة الموظفين في القرار يرتبط إيجابياً بالرضا الوظيفي، كما أن صوت الموظف الفعّال يدعم الثقة والتحسين والإنتاجية.

الأثر الثقافي المتوقع (عملياً):

  • ارتفاع “الملكية النفسية” للعمل (Ownership).
  • انخفاض السلوكيات الدفاعية (لوم/إخفاء مشكلات).
  • تحوّل النقاشات من “تسويغ” إلى “حلول”.

يرفع جودة القرار عبر المعرفة القريبة من الواقع

الموظفون الأقرب للعملاء والعمليات يملكون “إشارات مبكرة” عن المخاطر والفرص. تفعيل صوتهم يعني:

  • قرارات أكثر واقعية وقابلية للتنفيذ.
  • اكتشاف الأخطاء مبكراً (بدلاً من ظهورها كأزمات).

ومن منظور السلامة النفسية، هارفارد تشير إلى أن البيئة الآمنة نفسياً تتطلب من القادة دعوة المشاركة والاستجابة البنّاءة للتغذية الراجعة؛ وغيابها يجعل الناس “يحتفظون بآرائهم” فتضعف المناقشات والقرارات.

لأنه يقلل نوايا ترك العمل عبر “الدعم المُدرَك” والانتماء

هناك أدلة بحثية على أن القرار التشاركي يرتبط بخفض نوايا ترك العمل عبر وسيط مهم هو “الدعم التنظيمي المُدرَك” (Perceived Organizational Support).

كما أن Gallup تربط المشاركة/الانخراط بنتائج أعمال أفضل تشمل انخفاض الدوران الوظيفي ضمن حزمة نتائج الانخراط (Engagement) عبر قطاعات مختلفة.

خلاصة هذا المحور: إشراك الموظفين يقوّي الانتماء لأنه يرسل رسالة واضحة: (أنت جزء من الحل ولست مجرد منفّذ).

المحور الثاني: مقارنة سيناريوهات توضح الأثر (ثقافة + استدامة الموظفين)

السيناريو (أ): قرارات “من الأعلى للأسفل” بلا مشاركة حقيقية

ماذا يحدث عادة؟

  • يتم إعلان تغييرات تشغيلية/سياسات دون إشراك من ينفّذها.
  • تظهر مقاومة صامتة (التزام شكلي) أو أخطاء تطبيق.
  • تنتشر ثقافة “لا أحد يسمعنا” مما يؤدي الى انخفاض الرضا والانتماء.

مؤشرات مبكرة داخلية:

  • زيادة الشكاوى غير الرسمية (قروبات/همس).
  • انخفاض الاقتراحات، وارتفاع “اللامبالاة”.
  • زيادة طلبات النقل/الاستقالة خصوصاً للموهوبين.

السيناريو (ب): مشاركة منظمة بصلاحيات واضحة وحلقة إغلاق للتغذية الراجعة

ماذا يحدث عادة؟

  • يتم تعريف “مجالات القرار” التي يُشارك فيها الموظفون (تشغيل، خدمة، أدوات، جدولة، جودة…).
  • تُجمع الآراء عبر قنوات منتظمة (مجالس، مجموعات تركيز، منصات صوت الموظف) ثم تُحوَّل إلى قرارات أو تجارب صغيرة.
  • يتم إعلان: ماذا سمعنا؟ ماذا سنفعل؟ ماذا لن نفعل ولماذا؟

هذا النهج يتسق مع فكرة المنصات المستمرة لصوت الموظف التي تدعم الاستماع والتحليل والتحويل إلى حوار وإجراء.

النتيجة الثقافية المتوقعة:

  • ارتفاع الثقة لأن المنظمة “تستجيب” لا “تستعرض”.
  • تحسن الانتماء لأن الموظف يرى أثر رأيه.
  • استدامة أعلى (Retention) لأن التجربة اليومية تصبح أعدل وأكثر احتراماً.

المحور الثالث: أمثلة عملية قابلة للتطبيق (بدون مبالغة)

مثال 1: حقول قرار Decision Rights بدل مشاركة عامة

قسّم القرارات إلى 3 مستويات:

  • قرارات يجب إشراك الموظف فيها – Work Methods، أدوات، تحسين خدمة، جدولة…
  • قرارات تُستشار فيها الفرق (سياسات تؤثر على العمل اليومي).
  • قرارات استراتيجية عليا (قد لا تكون تشاركية بالكامل، لكن يمكن توضيح المنطق والبدائل).

لماذا هذا مهم؟ لأنه يمنع الإحباط الناتج عن إشراك شكلي في قرارات لا يمكن تغييرها، ويضمن جدوى المشاركة.

مثال 2: مجالس موظفين/منتديات (Staff Forum) مرتبطة بقرارات محددة

شركة CIPD تميز بين الصوت الفردي والجماعي (مثل منتديات/ممثلين) كآليات مؤسسية لصوت الموظف.

تطبيق عملي:

  • مجلس شهري لمدة 60 دقيقة
  • جدول أعمال ثابت:
    • 3 مشكلات تشغيل
    • 2 أفكار تحسين
    • 1 مؤشر تجربة موظف
  • مخرجات مكتوبة + مالك قرار + موعد إغلاق

مثال 3: إغلاق الحلقة You said / We did

Gallup تشير لأهمية بناء الثقة وإظهار أن التغذية الراجعة تقود إلى فعل (لا جمع بيانات فقط).

تطبيق عملي:

لوحة شهرية مختصرة:

  • سمعنا (3 نقاط)
  • قررنا (3 نقاط)
  • قيد التجربة (2)
  • لن ننفذ الآن (1) + سبب واضح

مثال 4: إشراك العاملين كـ “مشاركين في التصميم” عند تغيير أدوات/أنظمة

التقارير البحثية لدى Microsoft Research تؤكد أن تصميم الأدوات بمشاركة العاملين (كـ co-designers) يرفع ملاءمة الأدوات واعتمادها.

تطبيق عملي:

  • فريق تجريبي من المستخدمين النهائيين
  • تجربة لمدة 2–4 أسابيع
  • تعديلات قبل الإطلاق الكامل

المحور الرابع: كيف تقيس الأثر بشكل مهني (حتى لا تصبح المشاركة “شعاراً”)؟

مقاييس موصى بها (داخلية):

  • eNPS الانتماء مع سؤال: أشعر أن صوتي مسموع
  • معدل تطبيق الاقتراحات: الأفكار التي تحولت لإجراء/تجربة
  • زمن اتخاذ القرار (قبل/بعد) في القرارات التشغيلية
  • الدوران الطوعي للموهوبين (Voluntary attrition for key talent)
  • مؤشر السلامة النفسية (قياس دوري على مستوى الفرق) مرتبط بجودة المشاركة والجرأة في طرح المخاطر

ملاحظة مهمة: الربط السببي يحتاج انضباطاً (تجارب صغيرة + مقارنة وحدات/فترات). تجنب الادعاء أن المشاركة وحدها “تخفض الاستقالات” دون قياس قبل/بعد.

تحديات شائعة وكيف تُعالجها (بشكل مباشر)

الخوف من بطء القرار

الحل: حدّد القرارات التي “تُشارك” وتلك التي تُبلّغ + ضع SLA للرد على المقترحات.

المشاركة الشكلية (Tokenism)

الحل: التزم بقاعدة “إغلاق الحلقة” وإعلان ما لن يُنفذ ولماذا.

ارتفاع التوقعات بشكل غير واقعي

الحل: وضّح منذ البداية نطاق المشاركة وحدود القرار والميزانية.

خاتمة

إشراك الموظفين في صنع القرار هو استثمار مباشر في الثقافة الداخلية: لأنه يرفع الثقة والعدالة ويُحسن جودة القرار عبر توظيف معرفة الخطوط الأمامية. كما يدعم استدامة الموظفين عبر رفع الرضا والدعم المُدرَك والانتماء، بشرط أن يكون عبر قنوات واضحة وحوكمة واستجابة فعلية، لا مجرد استطلاعات.

أسئلة مقترحة للقارئ

  • ما المجالات التي ترغب منظمتك أن يكون للموظفين فيها “قرار” وليس فقط “رأي”؟
  • ما القنوات الحالية لصوت الموظف؟ وهل يوجد “إغلاق حلقة” موثق؟
  • هل المشكلة الأساسية ثقافية (خوف/صمت) أم تشغيلية (لا توجد آليات)؟
  • ما الفئات الأعلى مغادرة؟ وهل ترتبط المغادرة بمشكلات “سماع الصوت” أم بعوامل أخرى (تعويض/مدير/مسار)؟
  • ما مؤشرات القياس التي ستُعتمد لإثبات الأثر خلال 90 يوماً؟

ملخص

إشراك الموظفين في صنع القرار يعزز الثقافة الداخلية عبر بناء الثقة والشعور بالانتماء ورفع جودة القرارات، ويُسهم في استدامة الموظفين عندما يتحول “الصوت” إلى قرارات أو تجارب ملموسة مع إغلاق حلقة واضح. نجاحه يعتمد على تحديد نطاق المشاركة، وتفعيل قنوات موثوقة، وقياس الأثر بشكل دوري لا الاكتفاء بالشعارات.

لقراءة المقالة الانجليزية اضغط هنا

النسخة الانجليزية

بلغ عن خطأ

اقرأ أيضاً

بلغ عن خطأ في المحتوى

أنت الآن تبلغ عن خطأ في مقال: إشراك الموظفين في صنع القرار: رافعة استراتيجية لتعزيز الثقافة والاستدامة الوظيفية

الشراكات الإعلامية